فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال ابن عاشور:

والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى: الذي يتعدى به فعل النظر، وجوز صاحب الكشاف في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ} في سورة النساء [44]: أن تكون الرؤية قلبية، وتكون إلى داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتصال العلم بالمعلوم وانتهائه المجازي إليه، فتكون مثل قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم} [البقرة: 258]. اهـ.

.قال الفخر:

ظاهر قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب} يتناول كلهم، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم، إلا أنه قد دلّ دليل آخر، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول: {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]. اهـ.
قال الفخر:
المراد به غير القرأن لانه أضاف الكتاب إلى الكفار، وهم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق، ومن عند الله. اهـ.

.قال السمرقندي:

قال مقاتل: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة منهم حين قالوا؛ نحن أَهْدَى سبيلًا، وما بعث الله رسولًا بعد موسى عليه السلام فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَقْولُ لَكُمْ حَقٌّ فأَخْرِجُوا التَّورَاةَ»، فأَبَوا.
فأنزل الله تعالى هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب}. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فقال: نعمان بن أبي أوفى: هلم نحاكمك إلى الأحبار.
فقال: بل إلى كتاب الله، فقال: بل إلى الأحبار، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. اهـ.

.قال الطبري:

ولا دلالة في الآية على أيّ ذلك كان من أيٍّ، فيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، لأن المعنى الذي دُعوا إلى حكمه، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابة إليه في دينهم، فامتنعوا منه، فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم، وتكذيبهم بما في كتابهم، وجحودهم ما قد أخذ عليهم عهودَهم ومواثيقهم بإقامته والعمل به. فلن يعدُوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدًا وما جاء به من الحق، مثلهم في تكذيبهم موسى وما جاء به وهم يتولونه ويقرّون به. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {نَصِيبًا مّنَ الكتاب}:

.قال الفخر:

المراد منه نصيبًا من علم الكتاب، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه. اهـ.

.قال ابن عطية:

وخص الله تعالى بالتولي فريقًا دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله}:

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله} ففيه قولان:
القول الأول: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن.
فإن قيل: كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به؟.
قلنا: إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند الله.
والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين: أنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه:
الأول: أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون.
والثاني: أنه تعالى عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته، ويقرون بحقيته.
الثالث: أن هذا هو المناسب لما قبل الآية، وذلك لأنه تعالى لما بيّن أنه ليس عليه إلا البلاغ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بيّن أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا ما فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق. اهـ.

.قال ابن عطية:

{الكتاب} في قوله: {إلى كتاب الله} هو التوراة، وقال قتادة وابن جريج: {الكتاب} في قوله: {إلى كتاب الله} هو القرآن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فكانوا يعرضون، ورجح الطبري القول الأول، وقال مكي: الكتاب الأول اللوح المحفوظ والثاني التوراة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

و{كِتَابِ الله}: القرآن كما في قوله: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ الله وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] فهو غير الكتاب المراد في قوله: {مِنَ الْكِتَابِ} كما ينبئ به تغيير الأسلوب. والمعنى: يدعون إلى اتباع القرآن والنظر في معانيه ليحكم بينهم فيأبون. ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب، وإنما غير اللفظ تفننا وتنويها بالمدعو إليه، أي يدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد، وتلميحه إلى صفاته. اهـ.
وقال ابن عاشور:
ورجح الطبرى بأن المراد من الكتاب التوراة وقال:
وإنما قلنا إن ذلك {الكتاب} هو التوراة، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين، وبالتوراة بزعمهم مصدّقين، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرُّون، أبلغَ، وللعذر أقطعَ. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ}:

قال الفخر:
المعنى: ليحكم الكتاب بينهم، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور، وقرئ {لِيَحْكُمَ} على البناء للمفعول، قال صاحب الكشاف: وقوله: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} يقتضي أن يكون الاختلاف واقعًا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بيّن الله أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {وَهُم مُّعْرِضُونَ}:

.قال الفخر:

فيه وجهان:
الأول: المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم، كأنه قيل: ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تولي علمائهم.
والثاني: أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب، كأنه قيل: لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل. اهـ.

.قال الألوسي:

{ثُمَّ يَتَوَلَّى فَريقٌ مِّنْهُمْ} عطف على (يدعون)، و{ثم} للتراخي الرتبي، وفيه استبعاد توليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه، و{منهم} صفة لفريق، ولعل المراد بهذا الفريق أكثرهم علمًا ليعلم تولي سائرهم من باب الأولى قيل: وهذا سبب العدول عن- ثم يتولون- وقيل: الذين لم يسلموا، ووجه العدول عليه ظاهر فتدبر.
{وَهُمْ مُّعْرضُونَ} جوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فالواو للعطف، وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في {منهم} أو من {فريق} لتخصيصه بالصفة فالواو حينئذ للحال وهي إما مؤكدة لأن التولي والإعراض بمعنى، وإما مبينة لاختلاف متعلقيهما بناءًا على ما قبل: إن التولي عن الداعي والإعراض عن المدعو إليه أو التولي بالبدن والإعراض بالقلب، أو الأول كان من العلماء. والثاني من أتباعهم، وجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب بأن تكون تذييلًا أو معترضة، والمراد وهم قوم ديدنهم الإعراض، وبعضهم فسر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية ولعله رأى أنه لا يمنع عنها. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

فإن قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟
فالجواب من أربعة أوجه:
أحدها: التأكيد.
والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه.
والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم.
والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن الأنباري. اهـ.

.قال القرطبي:

في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف.
وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية.
وهذا الحكم الذي ذكرناه مبيِّن في التنزيل في سورة النور في قوله تعالى: {وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} إلى قوله: {بَلْ أولئك هُمُ الظالمون} [النور: 48، 49، 50] وأسند الزهرّي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له» قال ابن العربي: وهذا حديث باطل.
أمّا قوله: «فهو ظالم» فكلام صحيح.
وأمّا قوله: «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق.
قال ابن خُوَيْزِ مَندَاد المالكي: واجب على كل من دُعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يُعلم أنّ الحاكم فاسق، أو يُعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه. اهـ.
وقال القرطبي:
في هذه الآية دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علِمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه.
وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدّلها، ولو علمنا أن شيئًا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته.
ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها.
وكان عليه السلام عالما بما لم يغيِّر منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها.
وسيأتي بيان هذا في المائدة والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم. اهـ. بتصرف يسير.

.قال السعدي:

يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري:

امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أُمِرْتَ فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولِّي عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة. اهـ.

.من فوائد الجصاص:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ الله} الْآيَةَ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه أَرَادَ الْيَهُودَ حِينَ دُعُوا إلَى التَّوْرَاةِ وَهِيَ كِتَابُ الله وَسَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْبِشَارَةُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُمْ إلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كَمَا قال تعالى فِي آيَةٍ أُخْرَى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
وَلَوْلَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَمَا أَعْرَضُوا عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَفَرِيقٌ مِنْهُمْ آمَنُوا، وَصَدَّقُوا لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَلِمَا عَرَفُوهُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ الله مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا ادَّعَاهُ مِمَّا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَمَا أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنُوا بُطْلَانَ دَعْوَاهُ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا، وَلَمْ يُجِيبُوا إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَحَدَّى الله تعالى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَعَدَلُوا إلَى الْقِتَالِ وَالْمُحَارَبَةِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا؛ وَكَمَا دَعَاهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ فِي قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} إلَى قوله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ حَضَرُوا وَبَاهَلُوا لَأَضْرَمَ الله تعالى عَلَيْهِمْ الْوَادِيَ نَارًا، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى أَهْلٍ، وَلَا وَلَدٍ».
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّمَا أَرَادَ بِقوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ الله} إلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ يُوَافِقُ مَا فِي التَّوْرَاةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالشَّرْعِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ بِهَا الْبِشَارَةُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالدُّعَاءُ إلَى كِتَابِ الله تعالى فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ: جَائِزٌ أن يكون نُبُوَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَيَحْتَمِلُ أن يكون أَمَرَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّ دِينَهُ الإسلام، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى بَعْضِ مَدَارِسِهِمْ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَدِّ الزَّانِي، فَذَكَرُوا الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ وَكَتَمُوا الرَّجْمَ، حَتَّى وَقَّفَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ بِحَضْرَةِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ» وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أن يكون الدُّعَاءُ قَدْ وَقَعَ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا خَصْمَهُ إلَى الْحُكْمِ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ دَعَاهُ إلَى كِتَابِ الله تعالى وَنَظِيرُهُ أيضا قوله تعالى: {إذَا دُعُوا إلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ}. اهـ.